مستجدات الوسيط
الرئيسية / ثقافة وفن / بقلم الدكتور أحمــد فطــري :عبد الكريم غلاب كما عرفته

بقلم الدكتور أحمــد فطــري :عبد الكريم غلاب كما عرفته

قبل أربعة عقود ونيف، وأنا طالب بالسنة الرابعة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، كنت قد سجلت بحثي لنيل شهادة الإجازة في موضوع: (الأدب السياسي عند عبد الكريم غلاب) تحت إشراف الدكتور عباس الجراري أطال الله عمره؛ وفي نفس السنة كان الأخ عبد الصمد بلكبير قد سجل بحثه لنيل الشهادة ذاتها مع الأستاذ الجراري كذلك في موضوع: (دراسة في ديوان <<نجوم في يدي>> للشاعر الحبيب الفرقاني).

ومن غريب الصدف أن الأخ بلكبير كان وقتها كاتبا عاما للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، في الوقت الذي كنت كاتبا عاما للاتحاد العام لطلبة المغرب؛ وكان الصراع قويا بين التنظيمين، على الرغم من أننا كنا نشكل أقلية ضئيلة، في حين أن التنظيم الطلابي الأول كان هو المهيمن على الساحة الجامعية المغربية، مما كان يدفع البعض أحيانا إلى محاولة إقصائنا بالمرة عن تلك الساحة.

ومع ذلك فإن حدة الاختلاف في الرأي لم تكن لتحُول في الغالب بين الاحترام التام والتقدير المتبادل الذي كان سائدا بيننا، والذي لم تزده الأيام – بعد تخرجنا من الجامعة- إلا متانة ورسوخا…

المهم أنني أنجزت بحثي حول (الأدب السياسي عند عبد الكريم غلاب) في ظروف موضوعية صعبة، شأني في ذلك شأن كل الطلبة المجايلين لي، نظرا للإضرابات المتواصلة التي عرفتها الجامعة المغربية في تلك السنة؛ وأشهد بهذا الخصوص بأن الزعيم علال الفاسي هو الذي كان قد ربط لي أول اتصال مع الأستاذ غلاب في دار مارسة بالرباط وأوصاه بي خيرا؛ كما أشهد كذلك بأن موضوعية الدكتور الجراري العلمية قد ساهمت كثيرا في إنجاز هذا البحث، الذي نشرته سنة 1982 في مؤلف بالعنوان ذاته بعد إجراء بعض التعديلات الطفيفة…

وقد قسمت هذا المؤلف/البحث إلى بابين، وذيلته بخاتمة، وملحقين أحدهما أدبي والآخر سياسي.

تحدثت عن الالتزام السياسي عند غلاب الأديب، ووضحت إلى أي حد أثر تكوين الكاتب السياسي في فنونه الأدبية، وذلك من خلال إبداعاته المقالية، والقصصية، والروائية، التي كان قد نشرها إلى حدود تلك الفترة، إما في مؤلفات أو على صفحات جريدة (العلم) بصفة خاصة.

أما الخاتمة فقد حاولت أن أحدد في ثناياها موقف الأديب وقد تجاذبته الحرية والالتزام معا؛ في حين أعطيت في الملحق الأدبي نماذج للأدب السياسي عند غلاب من مختلف إبداعاته…

وعلى امتداد فترة إنجاز هذا المؤلف/ البحث أتيحت لي فرصة مجالسة ومرافقة الأستاذ عبد الكريم غلاب لشهور طويلة في مقر جريدة (العلم) التي كنت قد بدأت أنشر بها كتاباتي الأولى قبل ذلك بسنوات قليلة، بتشجيع من الراحل العزيز ومن الأستاذين عبد الجبار السحيمي ومحمد العربي المساري،  كما كان شأنهم -يرحمهم الله جميعا- مع عدد من (أصوات) المثقفين الشباب، بصرف النظر عن قناعاتهم الفكرية المتباينة…

وخلال تلك الفترة استفدت الشيء الكثير من تكوين الأستاذ غلاب وأخلاقه، لعل من أبرزها سمو الفكر وقيمة الإبداع ونبل الثقافة عنده، وفي هذا الشأن ستظل الواقعة التالية ماثلة في ذهني ما حييت أبدا، لأنها كانت بالنسبة لي درسا وعبرة:

ذلك أنني كنت في ريعان الشباب عندما أصدر الأستاذ غلاب في منتصف السبعينيات من القرن الماضي كتابه (تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب)، فتصدى له أحد المؤرخين في إحدى الصحف المناوئة حينئذ بنقد لاذع من خلال مجموعة من المقالات، التي رأيت فيها قذفا في مؤلِّف الكتاب وفي التوجهات الإيديولوجية التي كنت أشاركه فيها جملة وتفصيلا؛ فأخذتني الحمية الحزبية وفورة الشباب لأرد على صاحب تلك المقالات ردا قاسيا من خلال مقال مطول، اعتقدت أن الأستاذ غلاب سيوافقني الرأي في كل ما تضمنه شكلا ومضمونا.

إلا أن صاحب (دفنا الماضي) كان له رأي آخر، إذ بمجرد ما اطلع على فحوى المقال نادى علي وأجلسني أمامه في مكتبه، مخبرا إياي بهدوئه المعهود بأنه لن

ينشر مقالي ذلك على صفحات جريدة (العلم)، رغم أنه كله دفاع عنه هو شخصيا وعن الحـزب الذي يجمعنا سـويا؛ لأن المقـال المذكور مليء بالقـذف والتهجـم علـى

صاحب تلك المقالات اللاذعة، وهو الأمر الذي لا يمكن لجريدة وطنية ذات تاريخ عريق أن تسقط في حباله بالمرة!! ونصحني يرحمه الله تعالى بأن أنأى بنفسي عن أسلوب الاستهزاء والسخرية وألا أعوّد قلمي على أن يخط كلاما بذيئا ساقطا.

فأخذت أوراقي وانصرفت وأنا خجول من نفسي وقد تلقيت هذا الدرس المعبر الذي كان لي نبراسا أستضئ به طيلة حياتي السياسية والإبداعية.

هو نموذج فقط للعديد من الأحداث التي عشتها مع الراحل العزيز أو عاينت فيها مواقفه وردود أفعاله، والتي كانت كلها مليئة بسمو الأخلاق وطيب الكلمة ونبل السلوك ورِقة المعاملة.

ذاك ديدنه منذ أن عرفته على امتداد أزيد من أربعين سنة، سواء على مستوى حياته الحزبية والمهنية، أو على مستوى إبداعاته ومؤلفاته المتنوعة؛ وهو المستوى الذي ظل فيه أديبا ملتزما بقضايا شعبه ووطنه، رغم ما تعرض له من سجن وتضييق ومتابعة؛ إذ نجد الحس الوطني الصادق ينبض في مختلف كتاباته منذ أن نشر مقالاته الأولى في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي بعدد من الصحف والمجلات المغربية والعربية، إلى أن أصدر الطبعة الثانية من كتابه القيم (الماهدون الخالدون) قبل وفاته بشهور قليلة.

ولا شك أن الأستاذ عبد الكريم غلاب يعد من بين هؤلاء الماهدين الخالدين أيضا، مادامت لم تنل منه لا المحن القاسية التي عانى منها طيلة حياته، ولا (الشيخوخة الظالمة) التي أثرت على جسده دون أن تؤثر على فكره، الذي ظل نابضا باليقظة والحيوية ليعطي لوطنه وشعبه كل ما كان يملك؛ وإذا كان لم يأخذ من هذه الدنيا الفانية شيئا، إلا ما كان من الذكر الطيب على لسان كل من عرفه حق المعرفة من المثقفين والمفكرين والسياسيين، فإن ما يحز في النفس هو أن المسؤولين في هذا (البلد السعيد) لا يعطون لمثل هؤلاء المبدعين العناية اللازمة التي هم أهل لها، ولا يبوئونهم المكانة اللائقة وهم على قيد الحياة، قبل أن ينتقلوا إلى عفو الله ورحمته!

الدكتور أحمد فطري

 

FacebookShare

عن abdou kejji

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المهرجان الثاني للزيتون بجماعة تنزرت

تثيمنا للمنتوجات المجالية ودورها في التنمية المحلية، ينظم منتدى تنزت للثقافة والفن ...

error: Content is protected !!